ابن عجيبة
602
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ أي : ذات شدة وجوع يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي : يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن . أسند الأكل إلى السنين مجازا ؛ تطبيقا بين المعبر والمعبر به ، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي : مما تخزنون وتخبئون للزراعة والبذر . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي : يغيثهم اللّه بالفرج من القحط ، أو يغاث بالمطر ، لكن مصر إنما تسقى من النيل . وَفِيهِ أيضا يَعْصِرُونَ العنب والزيتون ؛ لكثرة الثمار . أو يعصرون الضروع لحلب اللبن ؛ لأجل الخصب . وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة . والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة . ولعله علم ما في السنة الثامنة من الخصب والرخاء بالوحي ، أو بأن انتهاء الجدب لا يكون إلا بالخصب ، وبأن سنة اللّه الجارية أن يوسع على عباده بعد ما ضيّق عليهم ، لقوله فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً « 1 » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الروح في أصل نشأتها علامة داركة ، تكاشف بالأمور قبل وقوعها ، إذا غابت عن إحساسها الذي حجبها عن ذلك العلم ، ولو كانت من كافر إذا غابت عن حسها بنوم ، أو اصطلام عقل . فمن طهرها من دنس الشرك بالتوحيد ، وغيبها عن شواغل الحس بالتفرغ والتجريد ، رجعت إلى أصلها ، وفاضت عليها العلوم التي كانت لها قبل التركيب في هذا القالب الحسى ، علما وكشفا . ولا شئ أنفع لها في الرجوع من السهر والجوع . وفي الجوع أسرار كثيرة حسية ، ومعنوية ، وبسببه جمع اللّه شمل يوسف بأبيه وإخوته . وبه أيضا ملّك اللّه يوسف ونصره ومكنه في الأرض حتى ملك مصر وأهلها . ولذلك قال نبينا - عليه الصلاة والسّلام - : « اللهم أعنّى عليهم - أي على قريش - بسبع كسبع يوسف » « 2 » . وذكر الغزالي في الإحياء ، في أسرار الجوع ، أربعين خصلة . وفي بعض الأثر : ( أن اللّه تعالى عذب النفس بأنواع من العذاب ، ومع كل عذاب يقول لها : من أنا ؟ فتقول هي : ومن أنا ؟ حتى عذبها بالجوع ، فقالت : أنت ربى سبحانك الواحد القهار ) . والممدوح منه ؛ هو المتوسط دون إفراط ولا تفريط ، كما قال البوصيري : واخش الدّسائس من جوع ومن شبع * فربّ مخمصة شرّ من التّخم وباللّه التوفيق .
--> ( 1 ) الآية 5 من سورة الشرح . ( 2 ) أخرجه البخاري في أكثر من موضع ، منها : ( كتاب التفسير - سورة الروم ) .